Tuesday, June 12, 2007

في مفهوم الحركة الإسلامية: القبيلة الإسلامية تقود الشعب المسلم


عزيزي القارئ:
هذه مداخلة بها كل عيوب المداخلة لأني لم أسطرها بحثا تتوافر لي مصادره و مراجعه و مقابلاته. و مداخلتي هنا عن الحركة الإسلامية التي تعلم عنها ـ عزيزي القارئ ـ أكثر مني.

حول المفهوم
حاولت أن أتبين الفرق بين مصطلحي "المفهوم" و "التعريف" و أنا في المرحلة الدراسية المتوسطة من خلال مناهج النحو و الرياضيات؛ إذ أن كتب النحو تستعمل لفظ التعريف مثل تعريف الفاعل أو تعريف الحال بينما كتاب الرياضيات الحديثة ـ وقتها ـ يستخدم لفظ "مفهوم" مثل مفهوم المجموعة أو مفهوم الدالة. و كنت أميل إلى لفظة "مفهوم" باعتبار أنها تعطيني فكرة عن جوهر المصطلح المراد فهمه. هذا قبل (أن أكبر و تكبر أحلامي) و أطّلع على الفلسفيات و اللسانيات لأتعرف على الدال ( مصطلحا أو لفظا أو اسما) و المدلول ( مفهوما أو معنى أو مسمى) في علم الدلالة و علم التداول. و اكثر من أعزّ لفظ المفهوم في كتاباته هو المفكر عبد الله العروي حيث كتب عن مفهوم الحرية و مفهوم الدولة و مفهوم العقل و مفهوم التاريخ و مفهوم الأيديولوجيا. و أنت عزيزي القارئ لا أريد أن أكتب لك الآن عن مفهوم "المفهوم" و لكنك إلتقطت الفكرة التي موجزها أن المفهوم من الفهم , أي معرفة أكبر قدر من المعلومات حول ما يراد فهمه حتى يمكن تفسيره و تصنيفه و الإنتقال به إلى مرحلة فقهه الشامل المركب (و ليس المحيط فالإحاطة لله سبحانه و تعالى).
و لذالك دعنا نسأل أنفسنا ـ نحن السودانيين ـ : ما مفهوم الحركة الاسلامية التي أثرت إيجابا و سلبا في تدين حياتنا إجتماعيا و سياسيا و إقتصاديا و تربويا. هذه الحركة التي يكتب الآن عنها و عن انشقاقها المؤلم في حقها و حق الوطن بعض أبنائها و غيرهم في الصحف السيارة و نرجو لهم أن يستخلصوا العبرة من سيرورتها و صيرورتها حتى نساهم كلنا في بناء الأرضية المعرفية التي توفّر الشروط الموضوعية لمرحلة الظهور الثاني للحركة الإسلامية.

الحركة
الحركة مصطلح يندرج ضمن مصطلحات التيار و الجبهة و المؤتمر و الإتجاه و الحزب. و هذه المصطلحات تتقاطع في مفاهيمها تقاطعا بيّنا لأنها تشكل جزءا من شجرة مفاهيمية. و قد استخدم الإسلاميون كل هذه المصطلحات السياسية ما عدا مصطلح الحزب الذي يعتقد معظمهم أنه يحمل ظلالا سالبة في حين أن القرءان العظيم استخدمه حسب السياق ليكون حزبا للتدين الموجب أو حزبا للتدين السالب. و التدين يقصد به هنا التطبيق النسبي للدين في حياة الإنسان و علاقاته الخمسة مع الله توحيدا و مع أخيه الإنسان عدلا و مع الحياة إبتلاءا و مع الطبيعة تسخيرا و مع الآخرة جزاءا؛ و يمكن اجمالها في عبارة فلسفية تقول: الإنسان بين الشريعة و الطبيعة.
و الحركة وردت صياغة في القرءان العظيم مرة وحيدة في سورة القيامة (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرءانه). و التعريف الذي يميز الحركة هو ضدها أي أنها ضد السكون و لكن إذا أردنا مفهومها فلا بد من معرفة المعنى المتولد من إجتماع معاني حروفها الثلاثة (الحاء و الراء و الكاف). و جزء من هذا المفهوم هو التغيير المستمرالمرتكز على فكرة و بهذا المعنى استخدمها العلماء و المفكرون في توصيف كل تيار أو إتجاه أيديولوجي (فكراني) مثل الحركة الشيوعية و الحركة الإسلامية و حركة لاهوت التحرير.
و رجوعا إلى القرءان العظيم ـ مصدر الوحي الوحيد ـ يمكننا أن نربط الحركة بشجرة مفاهيم مثل الشعب و القبيلة و الأمة و القوم و الهجرة و التجديد وغيرها. و سوف نختار منها (إختزالا) مفهومي القبيلة و التجديد لنرى ما هي الحركة القبيلية (نسبة قياسية صحيحة) التجديدية مهما كان نوعها إسلاميا أو علمانيا. و التجديد هو سنة الحياة في الكينونة و السيرورة و الصيرورة. و عندما يخاطبنا ربنا بأن (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) في سورة العنكبوت ـ الآية 20 ـ فالسير هذا المتجه قصدا نحو التنظير ـ أولا ـ لمعرفة كيفية الخلق هو حركة لتغيير المكان ـ المرتبط بتغيير الزمان ـ و تغيير المعلومة تبديلا و/أو تعديلا حتى نصل لمرحلة جديدة ـ و ليست نهائية ـ لمعرفة كيفية الخلق سواء كان خلقا ماديا و/أوخلقا نفسيا. و الخلق عملية تغيير مستمرة في عوالم الدواب ـ بما فيها الإنسان ـ و الأفكار و الأشياء. و لكن هذه العملية التغييرية المستمرة مرتبطة بالإلتباس الذي يصيب من لا يعي عملية التجديد و خاصة في عالم الأفكار و يغيب عنه فقهها (بل هم في لبس من خلق جديد ـ ق من الآية 15). و ظني الراجح أننا قد أصابنا إلتباس شديد التعقيد منعنا من استبيان جلّ المفاهيم الإجتماعية المؤثرة في حياتنا مثل مفهوم الإسلام المرتبط بالخَلق (فتح الخاء و سكون اللام) في الطبيعة و الخلق(ضم الخاء و اللام) في الشريعة.

الإسلام
و ندخل هنا إلى مفهوم الإسلام الذي انتسبت إليه هذه الحركة. و بلا إطالة فالإسلام ليس اسما لدين معيّن بل هو مصدر لجوهر الدين (عند) الله (إن الدين عند الله الإسلام ـ آل عمران من 19) ليرتقي إليه الإنسان ـ ابتغاء ـ بالإيمان (و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ـ آل عمران من 85).لاحظ أن دينا جاءت نكرة لتفيد تديّن الإنسان من خلال إيمانه زيادة و نقصانا في عملية إبتغائه للإسلام. و القرءان العظيم يتحدث عن إسلام الوجه لله في حالة الإحسان لينتقل الإنسان نحو الهدى و دين الحق و هو الإسلام. و الدين لفظ لا جمع له في القرءان العظيم و تحقق تاريخيا عبر رسالات (و ليس أديان) ذكرت إبتداء برسالة نوح و إنتهاء بالرسالة الخاتمة؛ ليعني الدين الإيمان و العلم و العمل في جدلية تأثير و تأثرجوهرها إسلام الوجه لله إحسانا بإتباع القيم (الدين القيّم) و إدماجها في الخلق حتى تصبح أخلاقا. و السؤال هل يمكننا أن ننسب إلى الإسلام فنقول إسلامي و إسلاميون في حين أن القرءان سمانا على لسان إبراهيم (عليه السلام) المسلمين. علماؤنا القدامى فعلوا ذالك للتمييز بين المسلمين في مجتمعهم و بين الإسلاميين في جماعاتهم حتى أن أحدهم عنون أحد أسفاره ب (مقالات الإسلاميين).

الحركة الإسلامية
الحركة الإسلامية هي حركة مجتمع مسلم تعمل على تفعيل نشاطات هذا المجتمع ـ بجماعاته و جامعاته ـ نحو التجديد الواعي المرتكز على القيم و النماء المتوازن المرتكز على العدل. و نأتي هنا إلى مفهوم القبيلة التي هي فوق الشعب؛ فعندما نقرأ آية (و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ـ الحجرات) نلاحظ أن القبائل ذكرت بعد الشعوب و القبيلة هي التجمع القاصد نحو قبلته ليقود شعبه للتعارف مع الشعوب و القبائل الأخرى. والقبيلة يمكن أن تكون تجمعا ينتسب إلى أصل واحد أو متقارب مثل قبائل العرب و يمكن أن تكون تجمعا إختصاصيا مثل قبيلة العلماء أو تجمعا استراتيجيا ضخما يقود شعوبا نحو قبلة مرتضاة مثل الإتحاد الأوروبي.و بهذا المعنى فالحركة الإسلامية هي بمثابة القبيلة "الإسلامية" التي تقود الشعب "المسلم" نحو قبلة المقاصد و الأهداف التي ارتضاها هذا الشعب.

و تتصف هذه الحركة بمبادئ نذكر قليلا منها:

أولهاـ مقصدا ـ أنها حركة نهضة أخلاقية شاملة و ليست سياسية جزئية, فهي تعرف أن ما يتوافق عليه المجتمع هو القيم التي تتحوّل أخلاقا و تؤثر في الأعراف (من المعروف) و لذالك تقبل هذه الحركة أعراف مجتمعها لأنها جزء من تديّّنه القائم أصلا على المشيئة (أي الحريّة). و لأنها طليعة مجتمعها فهي تقوده نحو تجديد تديّنه نماء في الشريعة التي هي عالم الأمر و تنمية في الطبيعة التي هي عالم الخلق. و لتقريب ذالك للأذهان يمكن أن نمثّل أمر الشريعة بالبرمجيات الحاسوبية و خلق الطبيعة بالعتاديات التقانية.

و ثانيها ـ إنتماء ـ أنها لا تستبعد فئة أو جماعة أو معشرا أو فردا في المجتمع لأي سبب كان لأنها إسلامية تتحرك بإسلامها منهجا و إيمانها عملا نحو كل المجتمع الذي تفترض فيه (و هو كذالك) أنه مجتمع مسلم بمن انتمى فيه إلى رسالة سماوية أو أرضية أو من لا يؤمن برسالة أصلا.

و ثالثها ـ ولاء ـ أنها ليست بحزب بل ترعى أحزاب مجتمعها لتقود حركة الولاء الفكري إكتسابا لا إنتسابا و ذالك بإنتقاد السلوك الجمعي لا الإعتقاد فيه حتى يقترب من قيم ولاء المجتمع ولا يغترب عنها. ولأفراد هذا المجتمع أن يغيّروا ولاءاتهم الحزبية و لكن ولاؤهم لحركة المجتمع المسلم لا يتغيّر جماعيا.

و رابعها ـ فكرا ـ أنها حركة سلم إيجابي مستمد من الإسلام لتدافع عن مقاصد مجتمعها و حقوقه و تعمل على توعيته ليدافع عن حريته و حقوقه. و هي حركة حوار فكري مع كل أطياف مجتمعها لتأخذ مسؤوليتها كاملة نحو مجموعات ذات تدين منقوص لأن هذه المجموعات لم تجد فكرا إسلاميا في بعض نواحي الحياة و يمكن أن نمثل لها بالحركة الشيوعية التي لو وجد أفرادها في ذالك الوقت فكرا إقتصاديا إسلاميا مقنعا و معاصرا لما انتظموا في المنظومة الشيوعية.

و خامسها ـ عملا ـ أنها حركة إجتماعية شاملة تهتم بكل شؤون المجتمع و على رأس أولوياتها الصحة و التعليم. و تقوم فعاليتها التنظيمية على المنظومة المعرفية التي تترعرع في المجامع و الجامعات؛ و النظام الإجتماعي الذي تهتدي به حياة المجتمع؛ و الأنظومات القانونية التي يطبق النظام من خلالها من أجل الرعاية و المراقبة؛ و المنظمات الأهلية و الحكومية التي يبادربها المجتمع انسجاما مع منظومته المعرفية و نظامه الإجتماعي.

الواقع
و رجوعا إلى الواقع الذي سمّي واقعا لشدّة "انوقاعه" عن المثال فالحركة الإسلامية السودانية تعاني من جملة علل فكرية أسوؤها أن منظومتها المعرفية أميل ـ في غالبها ـ إلى السلفية الآبائية و هذا هو أحد أسباب إرتداد كثير من أبنائها الآن نحو التصوّف القاعد لا المجاهد و كثير من أحفادها في الجامعات نحو الآبائية السلفية.
و الله أعلم.