Saturday, July 5, 2008

أكبر أساتذتي

كل نفس ذائقة الموت؛ هذه سنة ربانية لا محيص عنها. ولكن رغم إيماني بهذه السنة فقد جزعت لوفاة أستاذي الفذ عبد الوهاب؛ وعند سماعي خبر موته لم أتمالك نفسي وأستندت إلى أقرب ما وجدته وكان دولابا في غرفتي إذ كنت واقفا استعدادا لمشوار يقودني لمدينة فرانكفورت التي تشرفت به في معرض كتابها عن العالم العربي منذ سنوات. اسمه عبد الوهاب وكان فعلا عبدا للوهاب الذي وهبه قلبا فقيها وعقلا مركبا يحلل ويركب كل الظواهر والأفكار في جميع الحقول المعرفية التي يربطها بنموذج مركب ينظر إليها في شبكتها الكلية. واسم المسيري له بالتأكيد علاقة بالسير والسيرورة في دروب المعرفة الوعرة التي لا يصبر عليها إلا النزهاء أمثاله. والسؤال ما زال قائما هل لهذا الاسم (المسيري) علاقة بقبيلة المسيرية في السودان. وقصة تعرفي على هذا العالم الجليل تستحق الرواية. كنت سائرا في شارع المنيل الرئيسي في بداية التسعينيات عندما وقعت عيني على العدد الأول من مجلة منبر الشرق الذي كان يحوي بحثه الجميل الأنيق "هاتان تفاحتان حمراوان". قرأت البحث وقررت من فوري التعرف على هذا العالم الفذ الذي يكتب عن العلمانية بطريقة لم أعهدها من قبل؛ وكان ذلك قدرا ربانيا لأني كنت متأزما في فهم العلمانية بعد قراءات كثيرة عنها ولكنها لم تجب عن أسئلتي بالعمق الذي أريده. وكنت قد اكتسبت خبرة في مجال الفكر عن معرفة العلماء الحقيقيين من قراءة كتاب أو مجرد مقال. اتصلت بالدكتور رفعت سيد أحمد مدير التحرير سائلا عن عبد الوهاب المسيري الذي لم أكن أعرف أنه من مصر وقريبا مني حيث كنت طالب طب في قصر العيني. أسعدني الدكتور رفعت قائلا أن المسيري سوف يرحب بي في منتداه الشهري الذي يقيمه للشباب وخاصة الباحثين منهم. وفوجئت بالمسيري يرحب بي قائلا أن المنتدى القادم بعد أيام وما علي إلا الحضور ووصف لي منزله الذي وجدته بديعا في تصميمه وزخرفته لأن المسيري يعيش ما يؤمن به من نماذج مركبة. وصرت تلميذا في منتدى المسيري لما يقارب خمسة أعوام بانتظام شديد ولم أتركه إلا عند مغادرتي إلى ألمانيا. ولم تنقطع صلتي به وكان يعرف صوتي عند اتصالي به ويسألني عن أحوالي ولا ينسى ما قلته له في اتصال سابق. ومن كرمه فقد أرسل لي الموسوعة في طبعتها الأولى إلى ألمانيا. في هذا المنتدى التقيت بعلماء ما كنت أحلم بلقياهم وذلك بفضل المسيري ومنتداه. ومن هولاء العلماء طارق البشري وجلال أمين وفهمي هويدي وبشير نافع وغيرهم كثير وتعرفت أيضا على واعدين أصبحوا الآن علماء مثل هبة رؤوف. منتدى المسيري كان لي بمثابة جامعة حقيقية تعلمت فيها ما لم ولن أجده في الجامعات. ونماذج المسيري ومناهجه أثرت في مجال اهتمامي وهو الدراسات القرءانية المعاصرة فصرت أنظر إلى النماذج القرءانية مثل المجموعات والزمر التي يقدمها القرءان في عالم الناس.
رحم الله المسيري رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته وعزائي للدكتورة هدى حجازي زوجه المفكرة مثله وأدعو الله أن يلزمها وأسرتها الصبر الجميل على فقدان حبيبها الذي لا يعوض.