Monday, March 24, 2014
Friday, December 5, 2008
القرءان العظيم ميسَّر لكل إنسان
القرءان العظيم ميسًّر للذكر في أعماقٍ مختلفة لكل فردٍ أو فئة أو زمرة أو مجموعة من الناس سواء المؤمنين به أو غير المؤمنين إذ أنه خطاب لكل العالمين ومن ضمنهم الناس. وإذا كان بعض القراء يحبون ذكر الأمثلة فإن الراعي يفهم من القرءان ما يكفيه والمتخصص في حقل من حقول العلم ومنها العلوم القرءانية يفهم ما يكفيه أو ما يبحث عنه. وذكرت الراعي ليس لأنه أقل الناس فهماً وإنما هكذا درج الناس عندنا على تمثيل الأدنى في الفهم بالراعي وأهل مصر يمثلون بالبواب. والراعي بريء من هذه التهمة وأقول ذلك عن تجربة لأني كنت راعياً وقد عرفت رعاةً في سهل البُطانة السوداني على قدر من المعرفة التي لا تتوفر لكثير من الدارسين، فقد حفظت في طفولتي سورة التين والزيتون من أحدهم ـ أحمد محمد أحمد تِرفُوب جزاه الله خيراً ـ وما زلت أرددها حتى الآن متنغِّماً بها وفاءً وذكرى لذلك الراعي الحكيم. وتعلمت من أحدهم أيضاً وأنا في بداية التعليم الإبتدائي عناصر كتابة أي موضوع وأذكر أنه ذكر لي المقدمة باسم (براعة الاستهلال) وشرحها لي وما زلت أتذكر المكان والزمان الذي تقابلنا فيه في وادٍ يجري سيله في الخريف والشمس تميل إلى المغيب والغابة تحفُّنا بكل حُنُوٍّ تجود به الطبيعة. أما العوض أحمد كَنًّان عليه رحمة الله فقد تعلمت منه كيفية صلاة العيد إذ فاجأني بها وأنا لا أعرف أن عيد الأضحى قد حلّ في ذلك العمر الغض في طفولتي وكنا نمتطي جمالاً لنا في تلك الأرض الخضراء الآمنة وأتذكر تلك الصلاة التي كان فيها ذلك الراعي إماماً ونحن وحدنا تماماً في مكان لا يوجد فيه بشر ولم ننضم إلى جموع الناس إلا في خاتمة ذلك اليوم الذي تعلمت فيه تطبيقاً مارسته يوماً بعد سنوات طويلة لإمامة صلاة عيد الأضحى على الحدود السويسرية الألمانية. هؤلاء الرعاة يعرفون من القرءان ويفهمون ربما أكثر بكثير من دارسين وخريجين.
ومواقف الرعاة مع القرءان العظيم قد أشجنت فيّ تلك الذكريات العزيزة لطفولتي التي رضعت فيها حب اللغة والشعر وخاصة الدُوبِيت (تقرأ بإمالتين مثل رواية الدوري) وهو نوع من الشعر السوداني الخالص بعربية فصيحة وتأثير أندلسي على ما أظن وكان ذلك مع والدي عليه رحمة الله الذي علَّمني في فيافي المراعي حروف الهجاء على الطريقة الألفبائية وليس الهجائية كأحسن ما يكون التعليم المتكامل الذي يعلمك دَفْعةً واحدة الصوت وحركته القصيرة والطويلة وهي الطريقة التي يتعلم بها طلاب الخَلوة (المحظرة في موريتانيا والكُتاب في مصر) حتى الآن. وقبل أن أترك ذكر الرعاة والقرءان فقد سمَّعت (قرأت حفظاً) جزء عَمَّ على يد راعي البقر الذي كان يرعى بقر القرية كله وكان أرترياً أو حبشياً والذي لا أعلمه حتى هذه اللحظة كيف تعرف عليه والدي وكيف عرف أنه يحفظ القرءان فجاء به لأسمِّع على يديه جزء عم في يوم ما زال محفوراً في ذاكرتي وأنا الذي كنت أتوقع أن يكون تسميعي على يد خالي الإمام الفكي امحمد الحافظ للقرءان ويتلو منه كل يومٍ جزءاً (يسميه غرفة). جزي الله ذلك الراعي خيراً وغفر له ولوالدي ولخالي ولنا ولكم.
نرجع بعد هذه السًّرْحَة (وهي لفظة تمتد دلالتها أيضاً إلى الرعي) وأقول أن القرءان أعماقه متعددة ويمكن لكل مسلم أن يأخذ منه بقدر جده واجتهاده ولا يحتاج إلى كتابات العلماء الأكابر المعاصرين مثل محمد أبو القاسم حاج حمد ومحمد شحرور وعدنان الرفاعي وحسن الترابي وصبحي منصور وسُبيط النيلي وتوشيهيكو إيزوتو وسليمان آتش وعبد الحميد الفراهي وأمين أحسن إصلاحي وتحية عبد العزيز إسماعيل وغيرهم كثير ولكن انتبه أيها القاريء العزيز أن هؤلاء يساعدونك في تعبيد (ما علاقتها بالعبودية، ذلك اللفظ التاريخي؟) الطريق وزيادة التسارع في التقدم قُدُماً وإختصار المسافات ولك الحرية في أن تستفيد منهم أو من أحدهم أو أن ترفضهم.
والذين يتحدثون عن سهولة فهم القرءان فَهُم يتحدثون في الغالب عن الطبقة الأولى السطحية التي غالباً ما تكفي معظم الناس ولكن ما المانع أن يغوص بعضنا إلى طبقاتٍ أعمق بمناهج تدبر ينبجس منها فهمٌ جديد يكون في متناول اليد لمن أراد وشاء.
ومناهج التدبر عديدة بيد أني أرى ـ وأرجو أن أكون صائباً ـ أن (فقه اللسان) هو حجر الزاوية بلغة أهل المعمار في بناء كل المناهج التدبرية واللسان أعمق في معناه مما يتبادر إلى أفهامنا لأنه هو الرابط بين العلامة واللهجة واللغة والأسلوب إذ أنه في المقام الأول برنامج زرعه الله سبحانه وتعالى في كلٍّ منَّا ومثله مثل أي برنامج Sotfware (وأقول مثله وليس هو) يحتاج إلى تفعيل يبدؤه الطفل في مراحله الأولى. وهذا البرنامج يتعرًّض إلى تشويه عند من يدرسون مناهجنا الدراسية في العالم العربي ومن ينظرون كثيراً في المعاجم العربية إعتقاداً في صِحَّتِها الكاملة وقد حمى الله أولئك الناس الذين نسميهم العامة من معظم هذا التشويه وهم غالباً على فطرة هذا البرنامج اللساني الرباني متتبعين معاني الجذور الأولى في إشتقاق ألفاظهم الجديدة التي يفرضونها على مجامع اللغة الحية في كل بلاد الدنيا والميتة فقط في عالمنا العربي. أنظر عزيزي القاريء المحب لضرب الأمثلة إليهم كيف أنهم اشتقوا لفظة التعشيق في السيارة من العشق في معناه الأصلي، التشبيك، قبل أن يطلق على تشابك مشاعر الحبيبين وقد يشتقون صياغة أخرى من هذا الجذر إذا جاءهم شيء أو مفهوم تتماثل حركة دلالته مع حركة دلالة العشق في أحد اتجاهاتها. ولذلك أري أحياناً أن لسان العامة يمكن أن نفهم به القرءان أكثر بكثير من اللغة التي سجلتها المعاجم، وخبرتي تنحصر أساساً في اللسانين العاميين السوداني والمصري مع معرفة قليلة ببقية الألسنة العامية الأخرى وأقول مطمئناً أن الناس في الوطن العربي يتكلمون المعاني غالباً على فطرتهم إلا من تشويه قليل جاءهم من ألسنة وسائط التعليم والإعلام. وللعالم الجليل عبد الله الطيب رحمه الله تدبر كامل للقرءان العظيم بلسان العامة ألقاه على الجمهور السوداني الذي تفاعل معه حتى اكتمل في الإذاعة السودانية.
وأظن أنه قد آن الأوان للبدء في تأسيس علم اللسان القرءاني الذي يهتم بكل مستويات المسلمين (والناس) من أقلهم حظاً في الإبداع (إبداع عادي في الحياة) إلى العلماء منهم ليأخذ كل واحد منهم من العمق الذي يناسبه في فهم القرءان العظيم. والتدبر المقصود هنا يهتم بربط عالم الخلق بعالم الأمر وزيادة الإيمان بأهمية الإبداع بمعناه الشامل، هذا المعنى الذي أبدع فيه الدكتور يحيى الرخاوي وهو بالمناسبة كان أستاذي في كلية طب القصر العيني. والمؤمل أن يؤدي هذا المنهج مع غيره إلى إيضاح الطريق الإلهي للهدى الذي عاقبته التقوى بتوضيح أعماق جديدة للقرءان العظيم الذي لن نلم بكل أعماقه ولن نصل لتأويله الكامل.
و شكراً لكم سادتي الأعزاء.
والسلام خير ختام.
Saturday, July 5, 2008
أكبر أساتذتي
رحم الله المسيري رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته وعزائي للدكتورة هدى حجازي زوجه المفكرة مثله وأدعو الله أن يلزمها وأسرتها الصبر الجميل على فقدان حبيبها الذي لا يعوض.
Saturday, June 14, 2008
The System of Morphologization in Arabic Tongue
Qur´ānic Linguistics
What are the similarities and differences between Arabic Linguistics and Qur´ānic Linguistics? The most important difference is that the meaning begins in (realistic) Arabic Tongue from the level of the word while in Qur´ānic Tongue begins from the level of the sound; also the Qur´ānic Tongue is part of the Arabic Tongue, because the pragmatics and use of both tongues is greatly different. The scholars have to establish a new paradigm for the Qur´ānic Linguistics.
Arabic Tongue
Principally, the Arabic Tongue has to be differentiated from the Arab Tongue. The Arab Tongue (syntax: genitival compound) is the tongue which is/was really spoken by the Arab whether the words are mentioned in the Qur´ān or not. The words which are mentioned in the Qur´ān belong to the Qur´ān Tongue (syntax: genitival compound) which is a part of Arabic Tongue. The Arab Tongue and the Qur´ān Tongue are the apparent part of the Arabic Tongue (syntax: adjectival compound). The production of the potential part of the Arabic Tongue is through:
(1) The production of new meanings of the already used words (دلالة جديدة) through linguistic usage and
(2) The capability of development of the non-used permutations of the second morphology derivation into actuality. These latent permutations are good tools to translate the new scientific and technological terms into Arabic.
Morphologization System
As a fact of the interdisciplinarity between the fields of knowledge Schleicher has brought the term "morphology" to Linguistics from Biology and the linguistic scholars have accepted this term although it does not exactly describe the (arabic) linguistic process of word “growth” as it was applied to the biological process of growth. In the Arabic Tongue (includes Arab Tongue, Qur´ān Tongue and Potential Tongue) three types of morphologization would be distinguished:
1. First (small) Morphologization: [al-taşrīf al-şaghīr التصريف الصغير]
This is the normal Arabic morphologization of the words which are derived from a triliteral root like the root K-T-B كتب from which other words can be derived like Kā-Ti-B كاتب, Ki-Tā-B كتاب, Ma-K-Ta-B مكتب , Ma-K-Ta-Ba مكتبة and some others. In all the derivations of one root there is a core/referential meaning (دلالة محورية) specified by derivation variations to produce a new branching (دلالة فرعية) meaning to be the own meaning (root meaning + derivation meaning) of the word. All the derivations of one trilateral root have a meaning field called core meaning.
2. Second (middle) Morphologization: [al-taşrīf al- wasīţ التصريف الوسيط]
This kind of morphologization results from the permutations (6 permutations) of the triliteral root like the root K-T-B from which the following possibilities can be obtained: (K-T-B , K-B-T) / (T-K-B , T-B-K) / (B-K-T , B-T-K). There is a possibility that one or more of the root permutations are non-used in the real past and present community tongue and, therefore, are not found in any lexicon but may be found in some arabic dialects. Moreover, they are potential to be appeared in any future time during the linguistic use process. These permutations have to be researched for a supposed central field meaning which may has a shadow on all of their individual meanings and, accordingly, every permutation may enlighten a corner of this central field meaning. This section was termed by Ibn Jinni as (al-ishtiqāq al-akbar).
3. Third (great) Morphologization: [al-taşrīf al-kabīr التصريف الكبير]
In this type of morphologization one letter of the three letters of the root would be displaced with another letter in:
3.1. A regular way where the displacement is symmetrical:
In the first (R-T-Q رتق => F-T-Q فتق),
In the second (F-T-Q فتق => F-S-Q فسق ) or
In the third (B-T-K بتك => B-T-R بتر ) letter of the root.
3.2. Or irregular way where the displacement is not symmetrical ( قلب / عقل). Whether there is a common meaning between the roots of the third morphologization is an argument but I think this common relationship meaning has to be researched.
Summary and Questions
As a summary, the focusing point is the argument that the signification of the Qur´ānic words is not arbitrary as stated by the Aljurjani and Saussurean axioms but the relation between the signifier and the signified in the Qur´ān Tongue (and also Arabic Tongue) is intended and motivated (دلالة قصدية). This approach of motivated signification is not new but the few writings about it are scattered through the ancient and modern references of the Arabic Tongue. The key idea for investigation and questioning is that the sounds (sound = letter + movement) have meanings in themselves. Therefore, some questions like the following ones must be researched:
1. Is there any signification in the sound (letter + movement) itself? How to discover this significance for all sounds?
2. What is the role of the movement that accompanies the letter in this signification? What the relation between the three movements of the triliteral root?
3. What is the role of the sounds serial order in the signification of the root? What is the impact of the second or third movement on the proceeding one?
4. If the signification of the word is absolute before the usage, how do the users make the relativity of the absolute signification?
5. What is the role of morphologization (adding new sounds) in specifying the root signification? Reflex process of meaning.
Tuesday, May 27, 2008
ضحايا الإنترنت: مبادرة لمكافحة إساءة السمعة و التشهير عبر الإنترنت
كل جديد في الحياة له جانبه المضيء الملتبس دائما بسلبيات تشكل الجانب الآخر المظلم من هذا الجديد وهذا ما ينطبق على ثورة الإتصالات العولمية وعلى رأسها شبكة الإنترنت التي ساهمت في كل جوانب الحياة إتصالا و تطويرا إلا أن سلبياتها و أهمها التشهير بالناس و إساءة سمعتهم قد استدعت وقفة للتصدي لهذا الجانب السيء من تلك الشبكة العنكبوتية العملاقة التي ما زالت تتطور نحو الأحسن.
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
للإنترنت إيجابياتها الكثيرة التي تشمل البريد الإلكتروني و البحث عن المعلومات والإتصال الإلكتروني والتعارف الذي قد يقود إلى صداقة أو زواج. لكل هذه الأسباب وغيرها فقد أقبل الناس على الإنترنت، ففي ألمانيا مثلا تبلغ نسبة تسجيل المواطنين في منتديات الإنترنت 25%. وأكثر الذين يستخدمون الإنترنت هم فئة الشباب إذ نجد في ألمانيا أن نسبة تسجيل الطلاب منهم فقط تبلغ 80% وهؤلاء يضعون في هذا العالم السايبري صورهم و قليل أو كثير من معلوماتهم الشخصية.
ومن بين هذه الصور والمعلومات الشخصية التي يضعها المواطنون في فضاء الإنترنت تنبثق السلبيات المزعجة التي منها التشهير بالناس وإساءة سمعتهم. وأصبح التصدي لهذا التشهير أمرا ضروريا. والتصدي للتشهير وإساءة السمعة قد يكون قانونيا بتفعيل القوانين العادية لتعمل في هذا المجال أو بإصدار قوانين خاصة بمخالفة النشر في الإنترنت كما حصل في بعض البلاد العربية وقد يكون التصدي للتشهير من داخل الإنترنت ذاتها بإنشاء موقع فيها لتوعية ضحاياها - أي ضحايا الإنترنت - بكيفية التعامل مع هذه الحالات المزعجة و هذا ما يقوم به موقع
) www.internetvictims.de( Internet Victims
أوقد يكون بتطوير محرك بحث خاص يبحث عن المادة التشهيرية أينما كانت في النت و هذا ما يقوم به موقع
)www.reputationdefender.com( Reputation Defender
موقع ضحايا الإنترنت أنشأه مواطن ألماني هو توماس فولكمر لمكافحة ما يتعرض له الناس من إساءة سمعة وتشهير عبر المواقع السايبرية وذلك عام 2005 بعد أن تعرض هو نفسه وشركاه لتشهير في مواقع الإنترنت أفقدهم زبائنهم. في البداية كان هذا الموقع فقط للدفاع عن توماس و شركاه بعرض الحقائق حتى يجدها من يطلبها في محركات البحث. وفي حوار أجريته معه في بداية هذا العام عرف فولكمر الضحية عبر الإنترنت قائلا:" ضحايا الإنترنت هم المجموعات التي تتعرض للتشهير عبر الإنترنت للثأر منهم مثل المجموعة التي تشمل من يتعرض لإساءة سمعته لأنه ترك صديقته أو صديقه و المجموعة الثانية تشمل الشركات المنافسة و الثالثة هي مجموعة الشخصيات العامة".
ثم تطور الموقع ليصبح موقعا عاما للدفاع ضد الإساءة و التشهير عبر الإنترنت بعد أن تلقى رسائل من عدد كبير من المتضررين من التشنيع عبر الفضاء السايبري.
و عن رأيه في مستقبل الإنترنت قال "إن الإنترنت تتطور في طريق تصبح فيه قاعدة و مكانا للسباب و الشتائم ومما يسهل ذلك أن الداخل إلى هذا العالم قد لا يحتاج في الأغلب إلى تحديد هويته مما يسمح له بإهانة وإشانة سمعة من يعرفه ومن لا يعرفه ولو كان من يعرفه ممن يقابلهم يوميا وجها لوجه."
وبذلك غدا هذا الموقع اليوم قاعدة لهؤلاء المتضررين - ما يطلق عليهم ضحايا الإنترنت - ليتبادلوا فيما بينهم المعلومات مباشرة. وضحايا الإنترنت أكثرهم من الأطفال و الشباب الذين يتعرضون للإساءة لهم سواء بالنشر الإباحي الذي لا يراعي خصوصيات الأطفال أو بنشر بعض صور الشابات و الشباب في أوضاع ووضعيات لا يحبذونها وتسيء لهم بين رفقائهم. وتشمل مجموعات هؤلاء الضحايا أيضا الذين تنالهم سمعة سيئة أو تشهير في الإنترنت يلحق بهم أو بعائلاتهم أو بشركاتهم والضحايا الفتيات في العالم العربي ذوات نسبة عالية. أما كيف نتعرف على من يهاجمنا عبر الإنترنت فإن فولكمر يقول:"في البداية على الضحية أن ينظر في نوع حالة القذف التي يتعرض لها لأن من يقوم بعملية القذف ليس غريبا وغالبا ما يكون من دائرة المعارف أو الشركات المنافسة ومن السهل التعرف على من قام بهذا التشهير. وهناك فارق قانوني في أن يعتمد أمر التشهير على الحقائق أو على مجرد رأي. والإعراب عن الرأي قد تكون له آثار سلبية جدا."
والموقع غني بالقصص التي يتلقاها من هؤلاء الضحايا وخاصة عبر البريد الإلكتروني وتحكي قصصهم ما تعرضوا له هم أو أطفالهم من غش وإساءة سمعة أو حتى تحرش جنسي. وبالإضافة إلى ذلك فإن الموقع يحتوي على القضايا المرفوعة ضد الجناة و تلك التي كسبها بعضهم بإدانة من تعدى عليهم في هذا الفضاء غير المحدود. وقد أوضح فولكمر أن القوانين الألمانية للتعامل مع الإنترنت هي ذات القوانين المعمول بها في الحياة العادية و التي تختص بالتشهير و إساءة السمعة و لا توجد في ألمانيا حسب علمه قوانين خاصة بالجرائم عبر الإنترنت.
والموقع باللغة الألمانية مما يجعله منحصرا في المتكلمين بهذه اللغة. و قد إهتمت وسائل الإعلام الألمانية بالموقع وأجرى بعضها حوارات صحافية مع القائم عليه.
وتوماس فولكمر قام هو و زميل له بتأليف كتاب عن هذه الحالات التي يضمها فضاء الإنترنت و كيفية التعامل مع هذه القضايا. وقد نصح الضحايا بأن يسعوا لحل المشكل مع من أساؤوا إليهم بسلام وأن يحاولوا إقناعهم بمسح الصفحات التي تسيء إليهم من الإنترنت وفي النهاية يمكنهم اللجوء إلى القضاء إذا فشلت طرق المحاورة السلمية قائلا إن المشرفين على المواقع المختلفة متعاونون جدا ولا يريدون أن يكونوا من ناشري الأكاذيب. أما موقع المدافع عن السمعة فيتميز بأنه طور محرك بحث خاصا به و يقدم لمشتركيه تقريرا شهريا عن جميع المعلومات التي نشرت عنهم في فضاء الإنترنت، بالإضافة إلى أنه باللغة الانجليزية و موجود في 25 بلدا منها أمريكا وكندا وألمانيا وبريطانيا والبرازيل. وباستطاعة هذا الموقع تعديل أو ازالة المعلومات غير المرغوب فيها أوالتي تشكل تشهيرا من وجهة نظر المشترك. وبالموقع أقسام متخصصة في الدفاع عن السمعة أو الطفل أو الخصوصية.
ظاهرة فوضى الإفتاء الفضائي والإلكتروني في العالم العربي
إنتشرت في الآونة الأخيرة في العالم العربي ظاهرة الإفتاء في الإعلام الإلكتروني و القنوات الفضائية و الظاهرة في إزدياد ملحوظ وتنوي بعض الدوائر السلفية أن تخصص قناة كاملة للفتوى والإفتاء.ظنا منها أنها تقدم خدمة دينية لجمهور المسلمين.
الملاحظ أن المستفتين يسألون في مجالات كثيرة تشمل الشعائر والأخلاق والثقافة والسلوك.وتكثر الأسئلة في الأمور الخاصة وتقل في مجال المعرفة العلمية وبالطبع السياسية. وعلى امتداد رقعة الوطن العربي تسود ثقافة التحريم ولذلك نرى أن جل – إن لم يكن كل – المستفتين يسألون عن الحرام والحلال ليس لمعرفة الحكم المقرر بل لمعرفة رأي جديد وكأن الحرام مثل النهي ليس مؤبدا في الزمان والمكان.
ولكن الأهم أن نسأل لماذا يسأل الناس هذه الأسئلة المكررة والساذجة عن أشياء وأحكام يفترض أن تكون معلومة ومعروفة بين ملة المسلمين ومنها ما يتعلق بالشعائر كالصلاة و الصيام ومنها ما يتعلق بالأحكام كالطلاق؟
ولماذا يجيب المفتون عن كل الأسئلة سواء كان السؤال في الطبيعة أو في الشريعة وكأنهم مطلعون على كل العلوم، فانعدم من يقول لا أدري وقل من يقول الله أعلم؟
ولماذا تكون الإجابات سطحية تدل على عدم الكفاءة العلمية و عامة تدل على عدم معرفة خصوصية الزمان والمكان في تحديد نوع الإستشارة عند الإنسان؟
الفتوى والإستشارة
الفتوى أو الإستشارة ظاهرة إنسانية منتشرة في كل بقاع المعمورة ولكنها منضبطة ويقوم بها متخصصون في كل المجالات ويضرب السائل مع من يريد أو يحتاج من هؤلاء المتخصصين ميعادا محددا ليسمح للمختص بدراسة الحالة من كل جوانبها ليكون النقاش بين الجانبين مثمرا ومفيدا لكليهما في عملية تعلم متبادل.
والفتوى أو الإستشارة من حيث مجالها قد تكون في حقل القانون أو الطبابة أو الدين أو غيره مما يستدعي وجود المتخصصين في هذه المجالات. ودائرة الإستشارة قد تكون جزءا من أية مؤسسة كما هو الحال في العالم الغربي، مثل الجامعات والمؤسسات والكنائس والمساجد.
قد يعترض البعض بأن الفتوى تختلف عن الإستشارة في أن الفتوى أمر ديني يسعى من خلاله المتدين إلى ترقية تدينه والإستشارة تكون في أمور الدنيا ولكن هذا الإعتراض يجزئ الدين. فالدين نظام قيم (الدين القيم) متكامل يشمل مجالات الإيمان والعلم والعمل في تأثير وتأثر متبادل بين هذه المجالات.
وحتى لو كان هذا الإعتراض صحيحا فهو لا يبرر أن تكون الأسئلة مكررة وساذجة وعابرة للقارات ومتخطية لخصوصية السائل في سلبية أولى تتلوها سلبية أخرى هي انحصار معظم الأسئلة في الأحكام والشعائر وسلبية ثالثة هي ما يتصف به معظم المفتين أو المجيبين في أنهم يرسلون في أحايين كثيرة كلاما عاما يخلو من الجهد و الأدلة و المنطق ويتصف بالفوقية وعبارات افعل ولا تفعل مع أن الفتوى أو الإستشارة غير ملزمة أصلا.
الفتوى مؤسسة للترقية
من المؤسف أن المسلمين في غالبيتهم أميون سواء كانت هذه الأمية خطية أو ثقافية ولا يعرفون أنهم اتخذوا القرآن مهجورا (لم نهجره بل اتخذناه مهجورا). والأمية الخطية ليست مشكلة كبيرة بل الأسوأ هو أمية من احتكروا مصطلح العلماء ليقيدوه عند الذين يدرسون جزءا من التراث ولم يتدربوا على طرق الإبداع في العلوم الإنسانية.
وعلاج هذا الواقع معقد ومتشعب ويهمنا منه ما يتعلق بنظام الفتوى والإستشارة. إذ في مقدور نظام الفتوى أن يساهم في تطوير نفسه ليكون واحدا من آليات العلاج المتعددة. هنا نقاش لقليل من عناصر نظام الفتوى.
أولا - يفترض في المسلم أن يكون عارفا بما جاء في القرءان العظيم عن الحرام و المحرمات؛ إذ أن المحرمات مفصلة في القرءان العظيم وواضحة ولا تحتاج إلا إلى قليل من المدارسة في الأسرة أو المدرسة أو حتى في اللقاءات العادية. ووظيفة المفتين هي تذكير السائلين - إن استدعى الأمر - أن المحرمات محدودة ومحددة في القرءان و لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان . ولكن المشكلة هي أن معظم من يفتون في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لا يعرفون (نظرية النهي و التحريم في القرءان العظيم – مقال قادم) ونتيجة لجهلهم الفرق بين تحريم الله والرسول ونهي الناس (خاصة الفقهاء والمشرعين منهم) فإنهم يخبطون عشوائيا مثل من "حرم" منذ سنوات قليلة زواج المسلم (يقصد به السني) من المرأة الشيعية لأنها كافرة و الأمثلة كثيرة و مؤلمة. هذه المعرفة سوف تساهم في تلاشي ثقافة التحريم التي تجعل المسلم يسأل عن حكم الجديد دون أن يختبر وظائفه.
ثم على المسلم أن يعرف أن الفتوى والإستشارة هي في مجالات المباح أو المسموح في الحياة وليس في مجال الحرام وذلك بتوضيح الإمكانيات المتاحة ليتمكن الإنسان من زيادة مساحة حركته في الحياة. وبالتالي فالواجب يحتم أن يتلقى من يقوم بالفتوى أو الإستشارة دراسة شاملة و تدريبا جيدا في منهاج فهم القرءان العظيم وفي كيفية التعامل مع الحياة في شروطها الزمانية و المكانية وتأثيرها على الإنسان مجتمعا و فردا.
ثانيا - معظم من يتصدون لهذه الإستشارات هم خريجو المؤسسات الدينية العتيقة التي يظلمها نظام القبول للتعليم العالي بتغذيته لها بالطلاب ذوي الدرجات العلمية المتوسطة او المتدنية. والظلم الثاني الذي يتعرض له هؤلاء المفتون هو أنهم لا يعرفون كثيرا عن العلوم السلوكية والنفسية والإجتماعية التي لها الدور الأسمى في دراسة حالة المستفتي أو المستشير، وحتى لو قامت هذه المؤسسات العتيقة في مناهجها بتدريس هذه المواد فإنها لا تربط بين هذه العلوم وترقية حياة الإنسان. والمشكلة أساسا هي في النظام والمنهاج الذي تؤسس عليه هذه المؤسسات بحيث أن أحدثها مثل جامعة القرءان في السودان لا تختلف عن الزيتونة أو الأزهر مثلا. وعليه فيجب إصلاح هذه المؤسسات بأن يتولى المجتمع و الدولة توجيه جزء من الطلاب ذوي الدرجات العلمية المرتفعة للدراسة في هذه المؤسسات بعد إصلاحها نظاما ومنهاجا وأن يكون هؤلاء الطلاب ممن يتمتعون بروح نقدية عالية و يحبون دراسة العلوم الإنسانية ذات التأثير الأكبر في حياتنا. أما تجديد المناهج (بعد إصلاح المناهيج) وربطها بالحياة و عزلها من سطوة الفكر الآبائي فهو حجر الزاوية في عملية الإصلاح التي أصبحت ضرورة ملحة. ومن ثم يمكننا أن نرى أثر المفتين المتخرجين من هذه المؤسسات في حياتنا.
ثالثا - يقل بين من يتصدون للإفتاء و الإستشارات معرفة اللغات الأجنبية أو معرفة تاريخ وحضارات الشعوب الأخرى رغم أنهم يجيبون عن أسئلة تردهم من مسلمي هذه الشعوب في أوروبا وأمريكا وآسيا ولا يدرسون جزءا من العلوم الطبيعية (عالم الخلق) التي تتبادل التأثير والتأثر مع العلوم الشريعية (عالم الأمر) في ترقية حياة الإنسان في هذا العصر الإتصالي العولمي. وهم لا يدرسون كل ذلك لأن المناهج العتيقة للدراسة في هذه المؤسسات قاصرة فقط على تدريس التراث البشري في فهم النص الديني ولا توجد مناهج لتعليم الدارس كيفية فهم الوثيقة الدينية حسب الزمان والمكان الخاص بالإنسان في سيرورته وصيرورته رغم التكرار الممل أن الوثيقة الدينية صالحة لكل زمان ومكان.
وعليه - رابعا - أن يعاد النظر في دوائر الإستفتاء من حيث النظام والمنهاج والمنهج كأن تلحق بمؤسسات متخصصة تربط الفتوى بشؤونها، وتوفير كفاءات لها تتمتع بنظرة شاملة للدين في أبعاده الإيمانية والعلمية والعملية، ونظرة أخرى نقدية لما يسود بيننا من علوم دينية زائفة حولت الإيمان إلى عقيدة والعلم إلى خرافة وفرغت العمل من فاعليته. وإذا آمنت الكفاءات الجديدة بالتعلم المستمر وبالشورى، فقد تصبح الفتوى استشارة مجدية تفيد السائل في تحديد الإمكانيات المتاحة أمامه في المجال الذي يسأل فيه مما يسمح له بترقية حياته في هذه الحياة الدنيا استعدادا لملاقاة الملائكة فردا حين يموت ولملاقاة الله فردا يوم القيامة. والله أعلم.
Tuesday, June 12, 2007
في مفهوم الحركة الإسلامية: القبيلة الإسلامية تقود الشعب المسلم
عزيزي القارئ:
حول المفهوم
حاولت أن أتبين الفرق بين مصطلحي "المفهوم" و "التعريف" و أنا في المرحلة الدراسية المتوسطة من خلال مناهج النحو و الرياضيات؛ إذ أن كتب النحو تستعمل لفظ التعريف مثل تعريف الفاعل أو تعريف الحال بينما كتاب الرياضيات الحديثة ـ وقتها ـ يستخدم لفظ "مفهوم" مثل مفهوم المجموعة أو مفهوم الدالة. و كنت أميل إلى لفظة "مفهوم" باعتبار أنها تعطيني فكرة عن جوهر المصطلح المراد فهمه. هذا قبل (أن أكبر و تكبر أحلامي) و أطّلع على الفلسفيات و اللسانيات لأتعرف على الدال ( مصطلحا أو لفظا أو اسما) و المدلول ( مفهوما أو معنى أو مسمى) في علم الدلالة و علم التداول. و اكثر من أعزّ لفظ المفهوم في كتاباته هو المفكر عبد الله العروي حيث كتب عن مفهوم الحرية و مفهوم الدولة و مفهوم العقل و مفهوم التاريخ و مفهوم الأيديولوجيا. و أنت عزيزي القارئ لا أريد أن أكتب لك الآن عن مفهوم "المفهوم" و لكنك إلتقطت الفكرة التي موجزها أن المفهوم من الفهم , أي معرفة أكبر قدر من المعلومات حول ما يراد فهمه حتى يمكن تفسيره و تصنيفه و الإنتقال به إلى مرحلة فقهه الشامل المركب (و ليس المحيط فالإحاطة لله سبحانه و تعالى).
و لذالك دعنا نسأل أنفسنا ـ نحن السودانيين ـ : ما مفهوم الحركة الاسلامية التي أثرت إيجابا و سلبا في تدين حياتنا إجتماعيا و سياسيا و إقتصاديا و تربويا. هذه الحركة التي يكتب الآن عنها و عن انشقاقها المؤلم في حقها و حق الوطن بعض أبنائها و غيرهم في الصحف السيارة و نرجو لهم أن يستخلصوا العبرة من سيرورتها و صيرورتها حتى نساهم كلنا في بناء الأرضية المعرفية التي توفّر الشروط الموضوعية لمرحلة الظهور الثاني للحركة الإسلامية.
الحركة
الحركة مصطلح يندرج ضمن مصطلحات التيار و الجبهة و المؤتمر و الإتجاه و الحزب. و هذه المصطلحات تتقاطع في مفاهيمها تقاطعا بيّنا لأنها تشكل جزءا من شجرة مفاهيمية. و قد استخدم الإسلاميون كل هذه المصطلحات السياسية ما عدا مصطلح الحزب الذي يعتقد معظمهم أنه يحمل ظلالا سالبة في حين أن القرءان العظيم استخدمه حسب السياق ليكون حزبا للتدين الموجب أو حزبا للتدين السالب. و التدين يقصد به هنا التطبيق النسبي للدين في حياة الإنسان و علاقاته الخمسة مع الله توحيدا و مع أخيه الإنسان عدلا و مع الحياة إبتلاءا و مع الطبيعة تسخيرا و مع الآخرة جزاءا؛ و يمكن اجمالها في عبارة فلسفية تقول: الإنسان بين الشريعة و الطبيعة.
و الحركة وردت صياغة في القرءان العظيم مرة وحيدة في سورة القيامة (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرءانه). و التعريف الذي يميز الحركة هو ضدها أي أنها ضد السكون و لكن إذا أردنا مفهومها فلا بد من معرفة المعنى المتولد من إجتماع معاني حروفها الثلاثة (الحاء و الراء و الكاف). و جزء من هذا المفهوم هو التغيير المستمرالمرتكز على فكرة و بهذا المعنى استخدمها العلماء و المفكرون في توصيف كل تيار أو إتجاه أيديولوجي (فكراني) مثل الحركة الشيوعية و الحركة الإسلامية و حركة لاهوت التحرير.
و رجوعا إلى القرءان العظيم ـ مصدر الوحي الوحيد ـ يمكننا أن نربط الحركة بشجرة مفاهيم مثل الشعب و القبيلة و الأمة و القوم و الهجرة و التجديد وغيرها. و سوف نختار منها (إختزالا) مفهومي القبيلة و التجديد لنرى ما هي الحركة القبيلية (نسبة قياسية صحيحة) التجديدية مهما كان نوعها إسلاميا أو علمانيا. و التجديد هو سنة الحياة في الكينونة و السيرورة و الصيرورة. و عندما يخاطبنا ربنا بأن (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) في سورة العنكبوت ـ الآية 20 ـ فالسير هذا المتجه قصدا نحو التنظير ـ أولا ـ لمعرفة كيفية الخلق هو حركة لتغيير المكان ـ المرتبط بتغيير الزمان ـ و تغيير المعلومة تبديلا و/أو تعديلا حتى نصل لمرحلة جديدة ـ و ليست نهائية ـ لمعرفة كيفية الخلق سواء كان خلقا ماديا و/أوخلقا نفسيا. و الخلق عملية تغيير مستمرة في عوالم الدواب ـ بما فيها الإنسان ـ و الأفكار و الأشياء. و لكن هذه العملية التغييرية المستمرة مرتبطة بالإلتباس الذي يصيب من لا يعي عملية التجديد و خاصة في عالم الأفكار و يغيب عنه فقهها (بل هم في لبس من خلق جديد ـ ق من الآية 15). و ظني الراجح أننا قد أصابنا إلتباس شديد التعقيد منعنا من استبيان جلّ المفاهيم الإجتماعية المؤثرة في حياتنا مثل مفهوم الإسلام المرتبط بالخَلق (فتح الخاء و سكون اللام) في الطبيعة و الخلق(ضم الخاء و اللام) في الشريعة.
الإسلام
و ندخل هنا إلى مفهوم الإسلام الذي انتسبت إليه هذه الحركة. و بلا إطالة فالإسلام ليس اسما لدين معيّن بل هو مصدر لجوهر الدين (عند) الله (إن الدين عند الله الإسلام ـ آل عمران من 19) ليرتقي إليه الإنسان ـ ابتغاء ـ بالإيمان (و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ـ آل عمران من 85).لاحظ أن دينا جاءت نكرة لتفيد تديّن الإنسان من خلال إيمانه زيادة و نقصانا في عملية إبتغائه للإسلام. و القرءان العظيم يتحدث عن إسلام الوجه لله في حالة الإحسان لينتقل الإنسان نحو الهدى و دين الحق و هو الإسلام. و الدين لفظ لا جمع له في القرءان العظيم و تحقق تاريخيا عبر رسالات (و ليس أديان) ذكرت إبتداء برسالة نوح و إنتهاء بالرسالة الخاتمة؛ ليعني الدين الإيمان و العلم و العمل في جدلية تأثير و تأثرجوهرها إسلام الوجه لله إحسانا بإتباع القيم (الدين القيّم) و إدماجها في الخلق حتى تصبح أخلاقا. و السؤال هل يمكننا أن ننسب إلى الإسلام فنقول إسلامي و إسلاميون في حين أن القرءان سمانا على لسان إبراهيم (عليه السلام) المسلمين. علماؤنا القدامى فعلوا ذالك للتمييز بين المسلمين في مجتمعهم و بين الإسلاميين في جماعاتهم حتى أن أحدهم عنون أحد أسفاره ب (مقالات الإسلاميين).
الحركة الإسلامية
الحركة الإسلامية هي حركة مجتمع مسلم تعمل على تفعيل نشاطات هذا المجتمع ـ بجماعاته و جامعاته ـ نحو التجديد الواعي المرتكز على القيم و النماء المتوازن المرتكز على العدل. و نأتي هنا إلى مفهوم القبيلة التي هي فوق الشعب؛ فعندما نقرأ آية (و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ـ الحجرات) نلاحظ أن القبائل ذكرت بعد الشعوب و القبيلة هي التجمع القاصد نحو قبلته ليقود شعبه للتعارف مع الشعوب و القبائل الأخرى. والقبيلة يمكن أن تكون تجمعا ينتسب إلى أصل واحد أو متقارب مثل قبائل العرب و يمكن أن تكون تجمعا إختصاصيا مثل قبيلة العلماء أو تجمعا استراتيجيا ضخما يقود شعوبا نحو قبلة مرتضاة مثل الإتحاد الأوروبي.و بهذا المعنى فالحركة الإسلامية هي بمثابة القبيلة "الإسلامية" التي تقود الشعب "المسلم" نحو قبلة المقاصد و الأهداف التي ارتضاها هذا الشعب.
و تتصف هذه الحركة بمبادئ نذكر قليلا منها:
أولهاـ مقصدا ـ أنها حركة نهضة أخلاقية شاملة و ليست سياسية جزئية, فهي تعرف أن ما يتوافق عليه المجتمع هو القيم التي تتحوّل أخلاقا و تؤثر في الأعراف (من المعروف) و لذالك تقبل هذه الحركة أعراف مجتمعها لأنها جزء من تديّّنه القائم أصلا على المشيئة (أي الحريّة). و لأنها طليعة مجتمعها فهي تقوده نحو تجديد تديّنه نماء في الشريعة التي هي عالم الأمر و تنمية في الطبيعة التي هي عالم الخلق. و لتقريب ذالك للأذهان يمكن أن نمثّل أمر الشريعة بالبرمجيات الحاسوبية و خلق الطبيعة بالعتاديات التقانية.
و ثانيها ـ إنتماء ـ أنها لا تستبعد فئة أو جماعة أو معشرا أو فردا في المجتمع لأي سبب كان لأنها إسلامية تتحرك بإسلامها منهجا و إيمانها عملا نحو كل المجتمع الذي تفترض فيه (و هو كذالك) أنه مجتمع مسلم بمن انتمى فيه إلى رسالة سماوية أو أرضية أو من لا يؤمن برسالة أصلا.
و ثالثها ـ ولاء ـ أنها ليست بحزب بل ترعى أحزاب مجتمعها لتقود حركة الولاء الفكري إكتسابا لا إنتسابا و ذالك بإنتقاد السلوك الجمعي لا الإعتقاد فيه حتى يقترب من قيم ولاء المجتمع ولا يغترب عنها. ولأفراد هذا المجتمع أن يغيّروا ولاءاتهم الحزبية و لكن ولاؤهم لحركة المجتمع المسلم لا يتغيّر جماعيا.
و رابعها ـ فكرا ـ أنها حركة سلم إيجابي مستمد من الإسلام لتدافع عن مقاصد مجتمعها و حقوقه و تعمل على توعيته ليدافع عن حريته و حقوقه. و هي حركة حوار فكري مع كل أطياف مجتمعها لتأخذ مسؤوليتها كاملة نحو مجموعات ذات تدين منقوص لأن هذه المجموعات لم تجد فكرا إسلاميا في بعض نواحي الحياة و يمكن أن نمثل لها بالحركة الشيوعية التي لو وجد أفرادها في ذالك الوقت فكرا إقتصاديا إسلاميا مقنعا و معاصرا لما انتظموا في المنظومة الشيوعية.
و خامسها ـ عملا ـ أنها حركة إجتماعية شاملة تهتم بكل شؤون المجتمع و على رأس أولوياتها الصحة و التعليم. و تقوم فعاليتها التنظيمية على المنظومة المعرفية التي تترعرع في المجامع و الجامعات؛ و النظام الإجتماعي الذي تهتدي به حياة المجتمع؛ و الأنظومات القانونية التي يطبق النظام من خلالها من أجل الرعاية و المراقبة؛ و المنظمات الأهلية و الحكومية التي يبادربها المجتمع انسجاما مع منظومته المعرفية و نظامه الإجتماعي.
الواقع
و رجوعا إلى الواقع الذي سمّي واقعا لشدّة "انوقاعه" عن المثال فالحركة الإسلامية السودانية تعاني من جملة علل فكرية أسوؤها أن منظومتها المعرفية أميل ـ في غالبها ـ إلى السلفية الآبائية و هذا هو أحد أسباب إرتداد كثير من أبنائها الآن نحو التصوّف القاعد لا المجاهد و كثير من أحفادها في الجامعات نحو الآبائية السلفية.
و الله أعلم.
