Tuesday, May 27, 2008

ضحايا الإنترنت: مبادرة لمكافحة إساءة السمعة و التشهير عبر الإنترنت


كل جديد في الحياة له جانبه المضيء الملتبس دائما بسلبيات تشكل الجانب الآخر المظلم من هذا الجديد وهذا ما ينطبق على ثورة الإتصالات العولمية وعلى رأسها شبكة الإنترنت التي ساهمت في كل جوانب الحياة إتصالا و تطويرا إلا أن سلبياتها و أهمها التشهير بالناس و إساءة سمعتهم قد استدعت وقفة للتصدي لهذا الجانب السيء من تلك الشبكة العنكبوتية العملاقة التي ما زالت تتطور نحو الأحسن.
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
للإنترنت إيجابياتها الكثيرة التي تشمل البريد الإلكتروني و البحث عن المعلومات والإتصال الإلكتروني والتعارف الذي قد يقود إلى صداقة أو زواج. لكل هذه الأسباب وغيرها فقد أقبل الناس على الإنترنت، ففي ألمانيا مثلا تبلغ نسبة تسجيل المواطنين في منتديات الإنترنت 25%. وأكثر الذين يستخدمون الإنترنت هم فئة الشباب إذ نجد في ألمانيا أن نسبة تسجيل الطلاب منهم فقط تبلغ 80% وهؤلاء يضعون في هذا العالم السايبري صورهم و قليل أو كثير من معلوماتهم الشخصية.
ومن بين هذه الصور والمعلومات الشخصية التي يضعها المواطنون في فضاء الإنترنت تنبثق السلبيات المزعجة التي منها التشهير بالناس وإساءة سمعتهم. وأصبح التصدي لهذا التشهير أمرا ضروريا. والتصدي للتشهير وإساءة السمعة قد يكون قانونيا بتفعيل القوانين العادية لتعمل في هذا المجال أو بإصدار قوانين خاصة بمخالفة النشر في الإنترنت كما حصل في بعض البلاد العربية وقد يكون التصدي للتشهير من داخل الإنترنت ذاتها بإنشاء موقع فيها لتوعية ضحاياها - أي ضحايا الإنترنت - بكيفية التعامل مع هذه الحالات المزعجة و هذا ما يقوم به موقع
)
www.internetvictims.de( Internet Victims
أوقد يكون بتطوير محرك بحث خاص يبحث عن المادة التشهيرية أينما كانت في النت و هذا ما يقوم به موقع
)
www.reputationdefender.com( Reputation Defender

موقع ضحايا الإنترنت أنشأه مواطن ألماني هو توماس فولكمر لمكافحة ما يتعرض له الناس من إساءة سمعة وتشهير عبر المواقع السايبرية وذلك عام 2005 بعد أن تعرض هو نفسه وشركاه لتشهير في مواقع الإنترنت أفقدهم زبائنهم. في البداية كان هذا الموقع فقط للدفاع عن توماس و شركاه بعرض الحقائق حتى يجدها من يطلبها في محركات البحث. وفي حوار أجريته معه في بداية هذا العام عرف فولكمر الضحية عبر الإنترنت قائلا:" ضحايا الإنترنت هم المجموعات التي تتعرض للتشهير عبر الإنترنت للثأر منهم مثل المجموعة التي تشمل من يتعرض لإساءة سمعته لأنه ترك صديقته أو صديقه و المجموعة الثانية تشمل الشركات المنافسة و الثالثة هي مجموعة الشخصيات العامة".

ثم تطور الموقع ليصبح موقعا عاما للدفاع ضد الإساءة و التشهير عبر الإنترنت بعد أن تلقى رسائل من عدد كبير من المتضررين من التشنيع عبر الفضاء السايبري.
و عن رأيه في مستقبل الإنترنت قال "إن الإنترنت تتطور في طريق تصبح فيه قاعدة و مكانا للسباب و الشتائم ومما يسهل ذلك أن الداخل إلى هذا العالم قد لا يحتاج في الأغلب إلى تحديد هويته مما يسمح له بإهانة وإشانة سمعة من يعرفه ومن لا يعرفه ولو كان من يعرفه ممن يقابلهم يوميا وجها لوجه."
وبذلك غدا هذا الموقع اليوم قاعدة لهؤلاء المتضررين - ما يطلق عليهم ضحايا الإنترنت - ليتبادلوا فيما بينهم المعلومات مباشرة. وضحايا الإنترنت أكثرهم من الأطفال و الشباب الذين يتعرضون للإساءة لهم سواء بالنشر الإباحي الذي لا يراعي خصوصيات الأطفال أو بنشر بعض صور الشابات و الشباب في أوضاع ووضعيات لا يحبذونها وتسيء لهم بين رفقائهم. وتشمل مجموعات هؤلاء الضحايا أيضا الذين تنالهم سمعة سيئة أو تشهير في الإنترنت يلحق بهم أو بعائلاتهم أو بشركاتهم والضحايا الفتيات في العالم العربي ذوات نسبة عالية. أما كيف نتعرف على من يهاجمنا عبر الإنترنت فإن فولكمر يقول:"في البداية على الضحية أن ينظر في نوع حالة القذف التي يتعرض لها لأن من يقوم بعملية القذف ليس غريبا وغالبا ما يكون من دائرة المعارف أو الشركات المنافسة ومن السهل التعرف على من قام بهذا التشهير. وهناك فارق قانوني في أن يعتمد أمر التشهير على الحقائق أو على مجرد رأي. والإعراب عن الرأي قد تكون له آثار سلبية جدا."

والموقع غني بالقصص التي يتلقاها من هؤلاء الضحايا وخاصة عبر البريد الإلكتروني وتحكي قصصهم ما تعرضوا له هم أو أطفالهم من غش وإساءة سمعة أو حتى تحرش جنسي. وبالإضافة إلى ذلك فإن الموقع يحتوي على القضايا المرفوعة ضد الجناة و تلك التي كسبها بعضهم بإدانة من تعدى عليهم في هذا الفضاء غير المحدود. وقد أوضح فولكمر أن القوانين الألمانية للتعامل مع الإنترنت هي ذات القوانين المعمول بها في الحياة العادية و التي تختص بالتشهير و إساءة السمعة و لا توجد في ألمانيا حسب علمه قوانين خاصة بالجرائم عبر الإنترنت.
والموقع باللغة الألمانية مما يجعله منحصرا في المتكلمين بهذه اللغة. و قد إهتمت وسائل الإعلام الألمانية بالموقع وأجرى بعضها حوارات صحافية مع القائم عليه.

وتوماس فولكمر قام هو و زميل له بتأليف كتاب عن هذه الحالات التي يضمها فضاء الإنترنت و كيفية التعامل مع هذه القضايا. وقد نصح الضحايا بأن يسعوا لحل المشكل مع من أساؤوا إليهم بسلام وأن يحاولوا إقناعهم بمسح الصفحات التي تسيء إليهم من الإنترنت وفي النهاية يمكنهم اللجوء إلى القضاء إذا فشلت طرق المحاورة السلمية قائلا إن المشرفين على المواقع المختلفة متعاونون جدا ولا يريدون أن يكونوا من ناشري الأكاذيب. أما موقع المدافع عن السمعة فيتميز بأنه طور محرك بحث خاصا به و يقدم لمشتركيه تقريرا شهريا عن جميع المعلومات التي نشرت عنهم في فضاء الإنترنت، بالإضافة إلى أنه باللغة الانجليزية و موجود في 25 بلدا منها أمريكا وكندا وألمانيا وبريطانيا والبرازيل. وباستطاعة هذا الموقع تعديل أو ازالة المعلومات غير المرغوب فيها أوالتي تشكل تشهيرا من وجهة نظر المشترك. وبالموقع أقسام متخصصة في الدفاع عن السمعة أو الطفل أو الخصوصية.

ظاهرة فوضى الإفتاء الفضائي والإلكتروني في العالم العربي


إنتشرت في الآونة الأخيرة في العالم العربي ظاهرة الإفتاء في الإعلام الإلكتروني و القنوات الفضائية و الظاهرة في إزدياد ملحوظ وتنوي بعض الدوائر السلفية أن تخصص قناة كاملة للفتوى والإفتاء.ظنا منها أنها تقدم خدمة دينية لجمهور المسلمين.

الملاحظ أن المستفتين يسألون في مجالات كثيرة تشمل الشعائر والأخلاق والثقافة والسلوك.وتكثر الأسئلة في الأمور الخاصة وتقل في مجال المعرفة العلمية وبالطبع السياسية. وعلى امتداد رقعة الوطن العربي تسود ثقافة التحريم ولذلك نرى أن جل – إن لم يكن كل – المستفتين يسألون عن الحرام والحلال ليس لمعرفة الحكم المقرر بل لمعرفة رأي جديد وكأن الحرام مثل النهي ليس مؤبدا في الزمان والمكان.
ولكن الأهم أن نسأل لماذا يسأل الناس هذه الأسئلة المكررة والساذجة عن أشياء وأحكام يفترض أن تكون معلومة ومعروفة بين ملة المسلمين ومنها ما يتعلق بالشعائر كالصلاة و الصيام ومنها ما يتعلق بالأحكام كالطلاق؟
ولماذا يجيب المفتون عن كل الأسئلة سواء كان السؤال في الطبيعة أو في الشريعة وكأنهم مطلعون على كل العلوم، فانعدم من يقول لا أدري وقل من يقول الله أعلم؟
ولماذا تكون الإجابات سطحية تدل على عدم الكفاءة العلمية و عامة تدل على عدم معرفة خصوصية الزمان والمكان في تحديد نوع الإستشارة عند الإنسان؟

الفتوى والإستشارة
الفتوى أو الإستشارة ظاهرة إنسانية منتشرة في كل بقاع المعمورة ولكنها منضبطة ويقوم بها متخصصون في كل المجالات ويضرب السائل مع من يريد أو يحتاج من هؤلاء المتخصصين ميعادا محددا ليسمح للمختص بدراسة الحالة من كل جوانبها ليكون النقاش بين الجانبين مثمرا ومفيدا لكليهما في عملية تعلم متبادل.
والفتوى أو الإستشارة من حيث مجالها قد تكون في حقل القانون أو الطبابة أو الدين أو غيره مما يستدعي وجود المتخصصين في هذه المجالات. ودائرة الإستشارة قد تكون جزءا من أية مؤسسة كما هو الحال في العالم الغربي، مثل الجامعات والمؤسسات والكنائس والمساجد.
قد يعترض البعض بأن الفتوى تختلف عن الإستشارة في أن الفتوى أمر ديني يسعى من خلاله المتدين إلى ترقية تدينه والإستشارة تكون في أمور الدنيا ولكن هذا الإعتراض يجزئ الدين. فالدين نظام قيم (الدين القيم) متكامل يشمل مجالات الإيمان والعلم والعمل في تأثير وتأثر متبادل بين هذه المجالات.
وحتى لو كان هذا الإعتراض صحيحا فهو لا يبرر أن تكون الأسئلة مكررة وساذجة وعابرة للقارات ومتخطية لخصوصية السائل في سلبية أولى تتلوها سلبية أخرى هي انحصار معظم الأسئلة في الأحكام والشعائر وسلبية ثالثة هي ما يتصف به معظم المفتين أو المجيبين في أنهم يرسلون في أحايين كثيرة كلاما عاما يخلو من الجهد و الأدلة و المنطق ويتصف بالفوقية وعبارات افعل ولا تفعل مع أن الفتوى أو الإستشارة غير ملزمة أصلا.

الفتوى مؤسسة للترقية
من المؤسف أن المسلمين في غالبيتهم أميون سواء كانت هذه الأمية خطية أو ثقافية ولا يعرفون أنهم اتخذوا القرآن مهجورا (لم نهجره بل اتخذناه مهجورا). والأمية الخطية ليست مشكلة كبيرة بل الأسوأ هو أمية من احتكروا مصطلح العلماء ليقيدوه عند الذين يدرسون جزءا من التراث ولم يتدربوا على طرق الإبداع في العلوم الإنسانية.
وعلاج هذا الواقع معقد ومتشعب ويهمنا منه ما يتعلق بنظام الفتوى والإستشارة. إذ في مقدور نظام الفتوى أن يساهم في تطوير نفسه ليكون واحدا من آليات العلاج المتعددة. هنا نقاش لقليل من عناصر نظام الفتوى.
أولا - يفترض في المسلم أن يكون عارفا بما جاء في القرءان العظيم عن الحرام و المحرمات؛ إذ أن المحرمات مفصلة في القرءان العظيم وواضحة ولا تحتاج إلا إلى قليل من المدارسة في الأسرة أو المدرسة أو حتى في اللقاءات العادية. ووظيفة المفتين هي تذكير السائلين - إن استدعى الأمر - أن المحرمات محدودة ومحددة في القرءان و لا تحتاج إلى زيادة أو نقصان . ولكن المشكلة هي أن معظم من يفتون في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية لا يعرفون (نظرية النهي و التحريم في القرءان العظيم – مقال قادم) ونتيجة لجهلهم الفرق بين تحريم الله والرسول ونهي الناس (خاصة الفقهاء والمشرعين منهم) فإنهم يخبطون عشوائيا مثل من "حرم" منذ سنوات قليلة زواج المسلم (يقصد به السني) من المرأة الشيعية لأنها كافرة و الأمثلة كثيرة و مؤلمة. هذه المعرفة سوف تساهم في تلاشي ثقافة التحريم التي تجعل المسلم يسأل عن حكم الجديد دون أن يختبر وظائفه.
ثم على المسلم أن يعرف أن الفتوى والإستشارة هي في مجالات المباح أو المسموح في الحياة وليس في مجال الحرام وذلك بتوضيح الإمكانيات المتاحة ليتمكن الإنسان من زيادة مساحة حركته في الحياة. وبالتالي فالواجب يحتم أن يتلقى من يقوم بالفتوى أو الإستشارة دراسة شاملة و تدريبا جيدا في منهاج فهم القرءان العظيم وفي كيفية التعامل مع الحياة في شروطها الزمانية و المكانية وتأثيرها على الإنسان مجتمعا و فردا.

ثانيا - معظم من يتصدون لهذه الإستشارات هم خريجو المؤسسات الدينية العتيقة التي يظلمها نظام القبول للتعليم العالي بتغذيته لها بالطلاب ذوي الدرجات العلمية المتوسطة او المتدنية. والظلم الثاني الذي يتعرض له هؤلاء المفتون هو أنهم لا يعرفون كثيرا عن العلوم السلوكية والنفسية والإجتماعية التي لها الدور الأسمى في دراسة حالة المستفتي أو المستشير، وحتى لو قامت هذه المؤسسات العتيقة في مناهجها بتدريس هذه المواد فإنها لا تربط بين هذه العلوم وترقية حياة الإنسان. والمشكلة أساسا هي في النظام والمنهاج الذي تؤسس عليه هذه المؤسسات بحيث أن أحدثها مثل جامعة القرءان في السودان لا تختلف عن الزيتونة أو الأزهر مثلا. وعليه فيجب إصلاح هذه المؤسسات بأن يتولى المجتمع و الدولة توجيه جزء من الطلاب ذوي الدرجات العلمية المرتفعة للدراسة في هذه المؤسسات بعد إصلاحها نظاما ومنهاجا وأن يكون هؤلاء الطلاب ممن يتمتعون بروح نقدية عالية و يحبون دراسة العلوم الإنسانية ذات التأثير الأكبر في حياتنا. أما تجديد المناهج (بعد إصلاح المناهيج) وربطها بالحياة و عزلها من سطوة الفكر الآبائي فهو حجر الزاوية في عملية الإصلاح التي أصبحت ضرورة ملحة. ومن ثم يمكننا أن نرى أثر المفتين المتخرجين من هذه المؤسسات في حياتنا.

ثالثا - يقل بين من يتصدون للإفتاء و الإستشارات معرفة اللغات الأجنبية أو معرفة تاريخ وحضارات الشعوب الأخرى رغم أنهم يجيبون عن أسئلة تردهم من مسلمي هذه الشعوب في أوروبا وأمريكا وآسيا ولا يدرسون جزءا من العلوم الطبيعية (عالم الخلق) التي تتبادل التأثير والتأثر مع العلوم الشريعية (عالم الأمر) في ترقية حياة الإنسان في هذا العصر الإتصالي العولمي. وهم لا يدرسون كل ذلك لأن المناهج العتيقة للدراسة في هذه المؤسسات قاصرة فقط على تدريس التراث البشري في فهم النص الديني ولا توجد مناهج لتعليم الدارس كيفية فهم الوثيقة الدينية حسب الزمان والمكان الخاص بالإنسان في سيرورته وصيرورته رغم التكرار الممل أن الوثيقة الدينية صالحة لكل زمان ومكان.

وعليه - رابعا - أن يعاد النظر في دوائر الإستفتاء من حيث النظام والمنهاج والمنهج كأن تلحق بمؤسسات متخصصة تربط الفتوى بشؤونها، وتوفير كفاءات لها تتمتع بنظرة شاملة للدين في أبعاده الإيمانية والعلمية والعملية، ونظرة أخرى نقدية لما يسود بيننا من علوم دينية زائفة حولت الإيمان إلى عقيدة والعلم إلى خرافة وفرغت العمل من فاعليته. وإذا آمنت الكفاءات الجديدة بالتعلم المستمر وبالشورى، فقد تصبح الفتوى استشارة مجدية تفيد السائل في تحديد الإمكانيات المتاحة أمامه في المجال الذي يسأل فيه مما يسمح له بترقية حياته في هذه الحياة الدنيا استعدادا لملاقاة الملائكة فردا حين يموت ولملاقاة الله فردا يوم القيامة. والله أعلم.